الشريف الرضي

357

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

العالمة ، فعلمنا أن المراد بذلك الأعيان والذوات دون غيرها ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية ) [ 1 ] فنبه سبحانه بذكر رضا السعي على أن المراد بهذا الكلام ذوات الناس دون الأبعاض التي هي الوجوه على الحقيقة ، لان الامر لو لم يكن كذلك لكان إضافة السعي إلى الاقدام أولى من اضافته إلى الوجوه . وهذا نبين ولله المنة ! . فان قيل : كيف انتقل الخطاب من المواجهة إلى الغيبة ، فقال سبحانه : ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب ) ، ثم قال : ( أو نلعنهم ) . قيل : في ذلك ثلاثة أجوبة : أحدها ، أن يكون الكلام على مثال قوله تعالى : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة . . ) ( 2 ) ، وذلك مما يرد في كلام العرب واشعارها . فتعرف به قدرتها على التصرف في أقطار الكلام ، والتفسح في أعطان الخطاب ، فتارة يكون مواجهة لأنه أبلغ في المخاطبة ، وتارة يكنى عن المخاطبين كما يكنى عن الغائبين ، لان ذلك أشد تصرفا وأغرب طريقة ومذهبا ، وعلى ذلك قول الشاعر ( 3 ) : يا لهف نفسي كان جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأعفر فانتقل من الغيبة إلى المواجهة شجاعة في البلاغة وإبعادا في مسالك الفصاحة والجواب الثاني ، أن يكون الضمير عائدا على أصحاب الوجوه ،

--> ( 1 ) الغاشية : 9 . ( 2 ) يونس : 22 . ( 3 ) نسبه الشريف المرتضى في الجزء الرابع أماليه إلى أبي كبير الهذلي .